الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
315
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
وكان معن يحسده في ذلك ، ولا يجد سبيلا إلى اصطلامه عنوة « 1 » لمقداره في اليمانية وعزّه بينها ، فأقام يعمل فيه الكيد والمكر ليتسلق إليه بالمساءة . فحدثني محمد بن أحمد القهبي السمسار الصنعاني وأدركته شيخا ، قال : حدثني أبي عن عمّه ، وكان صديقا لعبّاد بن محمد ، قال : كان لمعن بن زائدة عامل على مقري « 2 » من أهل العراق ، وكان العامل جوادا منخرق الكف « 3 » ، فأشخصه معن ليحاسبه ، فوجد عليه فضل ألوف دنانير ، فقال له : أين هذا المال ؟ قال : سقط عليّ منه شيء ! قال : فأغرم ؟ قال : الأمير يعرف أن لا شيء معي ، وخلفي من الضياع والعقار ما هو أعرف به ، فإن يحب الأمير أن يكتب إلى وكلائه بقبضه فليفعل ، قال : لا يكون ذاك بمضيّك ، ولا مضيّ لك إلا بكفيل يوجهك ، قال : أنا أكفل لك من خدمك ، قال : وهل في خدمي من يحمل هذا المال إن عجزت ؟ قال : فما يعرفني أحد سواهم ! قال : أطلب ، قال : ومن يكفل بي سواهم وأنا غريب لا يعرفني أهل اليمن ، قال : أنا أدلّك على من يكفل بك منهم ، قال : ومن قال : عليك بعباد بن محمد ، فهو عربي كريم ولن يجبهك في ذلك ، فمضى إليه العامل وكلّمه ، فأنعم له ودخل معه على معن ، فقال له : أتكفل بوجهه ؟ قال : نعم ، أيد اللّه أمير المؤمنين ، أتكفل بوجهه وبالمال الذي عليه ، قال : طلبنا لوجهه أكثر من المال ، قال : أنا أكفل به وأثق به ، إذ هو من عشيرة الأمير ومن خدمه ، فبعث معن لوجوه العدول من أهل صنعاء فأشهدهم عليه ، وضربوا له أجلا محدودا ، على أنه إن تأخر غير يوم واحد ، فقد أحلّ عباد بطشة الأمير به وبولده وبمنزله ، يحكم فيه بما رأى ، فقبل ذلك عباد
--> - وهما : محمد بن عمر وأخوه ، وأعملا الحيلة سنة حتى دخلا على معن في دار إمارته ومقر عمله « بسجستان » ، ونحراه كما تنحر الجزور وغودر هالكا ، وكان ذلك في سنة 154 ه ، وعاد القيلان الكريمان مكللين بأكاليل النصر والعز . ولما وصلا إلى ثغر عدن واجهتهما جماهير الشعب بين مظاهر الحفاوة والترحيب ، وقيل في ذلك أشعار كثيرة مذكورة في مظانها « راجع شرح النشوانية ، وتاريخ اليعقوبي ، وابن الأثير ، وابن خلكان ، والجزء الثاني من الإكليل ، والخزرجي ، والجندي » . ( 1 ) لم يحاشه : أي لم يخشاه في محاكاة لمعن في الجود والكرم ، والاصطلام : مواجهته بالشر . عنوة بالفتح : أي بالقهر والغلبة . ( 2 ) مقري : زنة معطي ، مخلاف مشهور من مخاليف اليمن ، وهو ما يسمى اليوم مغرب عنس ، ويقع غرب مدينة ذمار ، آخذ من جنوب مخلاف آنس والهان إلى ما يصالي جنوبا بلاد يريم ، ثم يحصب العلو ، ويشكل ناحية مربوطة بقضاء ذمار ، ومركز إدارته قرية « ظبة » التي يسكنها الفقهاء آل عبد الرزاق ، الذين يزعمون انتسابهم إلى الإمام الحافظ عبد الرزاق بن همام الحميري الصنعاني . نسب إلى مقري بن سبيع من حمير الصغرى ، وسيأتي ذكره بأوسع من هذا في الجزء الثاني من الإكليل إن شاء اللّه . ( 3 ) منخرق الكف : كناية عن الإسراف في العطاء ، وأن يده لا تبقى ولا تذر ، وهو في معنى قول العامة : « يده مخروقة » .